الشيخ محمد رشيد رضا
74
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عن دخول أولياء الشياطين النار فمن ههنا قال ابن عباس لا ينبغي لأحد أن يحكم على اللّه في خلقه ( قالوا ) وقول من قال إن « الا » بمعنى سوى أي سوى ما شاء اللّه أن يزيدهم من أنواع العذاب وزمنه - لا تخفى منافرته للمستثنى والمستثنى منه وان الذي يفهمه المخاطب مخالفة ما بعد « الا » لما قبلها « قالوا » وقول من قال إنه لاخراج ما قبل دخولهم إليها من الزمان كزمان البرزخ والموقف ومدة الدنيا أيضا لا يساعد عليه وجه الكلام فإنه استثناء من جملة خبرية مضمونها انهم إذا دخلوا النار لبثوا فيها مدة دوام السماوات والأرض إلا ما شاء اللّه ، وليس المراد الاستثناء قبل الدخول . هذا ما لا يفهمه المخاطب . ألا ترى انه سبحانه يخاطبهم بهذا في النار حين يقولون ( رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ) فيقول لهم حينئذ ( النَّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) وفي قوله ( رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا ) نوع اعتراف واستسلام وتحسر أي استمتع الجن بنا واستمتعنا بهم فاشتركنا في الشرك ودواعيه وأسبابه وآثرنا الاستمتاع على طاعتك وطاعة رسلك وانقضت آجالنا وذهبت اعمارنا في ذلك ولم نكتسب فيها رضاك وانما كان غاية أمرنا في مدة آجالنا استمتاع بعضنا ببعض ، فتأمل ما في هذا من الاعتراف بحقيقة ما هم عليه وكيف بدت لهم تلك الحقيقة ذلك اليوم وعلموا أن الذي كانوا فيه في مدة آجالهم هو حظهم من استمتاع بعضهم ببعض ولم يستمتعوا بعبادة ربهم ومعرفته وتوحيده ومحبته وايثار مرضاته . وهذا من نمط قولهم ( لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ ) وقوله ( فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ ) وقوله ( فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ ) ونظائره ، والمقصود أن قوله ( إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ ) عائد إلى هؤلاء المذكورين مختصا بهم أو شاملا لهم ولعصاة الموحدين ، وأما اختصاصه بعصاة المسلمين دون هؤلاء فلا وجه له ولما رأت طائفة ضعف هذا القول قالوا الاستثناء راجع إلى مدة البرزخ والموقف وقد تبين ضعف هذا القول ورأت طائفة أخرى أن الاستثناء يرجع إلى نوع آخر من العذاب غير النار قالوا والمعنى انكم في النار أبدا إلا ما شاء اللّه أن يعذبكم بغيرها وهو الزمهرير وقد قال تعالى ( إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً * لِلطَّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً )